ابن قيم الجوزية

278

الروح

أحدها : اتفاق العقلاء على قولهم الروح والجسم ، والنفس والجسم ، فيجعلونها شيئا غير الجسم ، فلو كانت جسما لم يكن لهذا القول معنى . الثاني : وهو أقوى ما يحتجون به أنه من المعلوم أن في الموجودات ما هو غير قابل للقسمة ، كالنقطة والجوهر الفرد ، بل ذات واجب الوجود ، فوجب أن يكون العلم بذلك غير قابل للقسمة ، فوجب أن يكون الموصول بذلك العلم وهو محله غير قابل للقسمة وهو النفس ، فلو كانت جسما لكانت قابلة للقسمة ، ويقرر هذا الدليل على وجه آخر ، وهو أن محل العلوم الكلية لو كانت جسما أو جسمانيا لانقسمت تلك العلوم ، لأن الحال في المنقسم ، منقسم ، وانقسام تلك العلوم مستحيل . الثالث : أن الصور العقلية الكلية مجردة بلا شك ، وتجردها إما أن يكون بسبب المأخوذ عنه أو بسبب الأخذ ، والأول باطل ، لأن هذه الصور إنما أخذت على الأشخاص الموصوفة بالمقادير المختلفة والأوضاع المعينة ، فثبت أن تجردها إنما هو بسبب الأخذ لها والقوة العقلية المسماة بالنفس . الرابع : أن القوة العاقلة تقوى على أفعال غير متناهية ، فإنها تقوى على إدراكات لا تتناهى ، والقوة الجسمانية لا تقوى على أفعال غير متناهية ، لأن القوة الجسمانية تنقسم بانقسام محلها ، فالذي يقوى عليه بعضها يجب أن يكون أقل من الذي يقوى عليه الكل ، فالذي يقوى عليه الكل يزيد على الذي يقوى عليه البعض أضعافا متناهية ، والزائد على المتناهي بمتناه متناه . الخامس : أن القوة العاقلة لو كانت حالة في آلة جسمانية لوجب أن تكون القوة العاقلة دائمة الإدراك لتلك الآلة ، أو ممتنعة الإدراك لها بالكلية ، وكلاهما باطل ، لأن إدراك القوة العاقلة لتلك الآلة إن كان عين وجودها فهو محال ، وإن كانت صورة مساوية لوجودها وهي حالة في القوة العقلية الحالة في تلك الآلة لزم اجتماع صورتين متماثلتين وهو محال . وإذا بطل هذا ثبت أن القوة العاقلة لو أدركت آلتها لكان إدراكها عبارة عن نفس حصول تلك الآلة عند القوة العاقلة ، فيجب حصول الإدراك دائما إن كفى هذا القدر في حصول الإدراك ، وإن لم يكف امتنع حصول الإدراك في وقت من الأوقات ، إذ لو حصل في وقت دون وقت لكان بسبب أمر زائد على مجرد حضور صورة الآلة .